محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من ذلك ، فيجزل لهم الثواب فيه . وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل تأول ذلك من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : " وما تفعلوا من خير فلن تكفروه " يقول : لن يضل عنكم . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، بمثله . وأما قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فإنه يقول تعالى ذكره : والله ذو علم بمن اتقاه بطاعته ، واجتناب معاصيه ، وحافظ أعمالهم الصالحة حتى يثبتهم عليها ، ويجازيهم بها تبشيرا منه لهم جل ذكره في عاجل الدنيا ، وحضا لهم على التمسك بالذي هم عليه من صالح الأخلاق التي ارتضاها لهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهذا وعيد من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون وأنهم قد باءوا بغضب منه ، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله ، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله . يقول تعالى ذكره : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذبوا به ، وبما جاءهم به من عند الله ؛ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني : لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا وأولاد الذين رباهم فيها شيئا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة ، ولا في الدنيا إن عجلها لهم فيها . وإنما خص أولاده وأمواله ، لأن أولاد الرجل أقرب أنسبائه إليه ، وهو على ماله أقرب منه على مال غيره ، وأمره فيه أجوز من أمره في مال غيره ، فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه وماله الذي هو نافذ الأمر فيه ، فغير ذلك من أقربائه وسائر انسبائه وأموالهم أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا . ثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله : وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ؛ وإنما جعلهم أصحابها ، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه وقرينه الذي لا يزايله . ثم وكد ذلك بإخباره عنهم إنهم فيها خالدون ، صبحتهم إياها صحبة لا انقطاع لها ، إذ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال ويزايله في بعض الأوقات ، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النار التي أصلوها ، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع ، نعوذ بالله منها ومما قرب منها من قول وعمل . القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : شبه ما ينفق الذين كفروا : أي شبه ما يتصدق به الكافر من ماله ، فيعطيه من يعطيه على وجه القربة إلى ربه ، وهو لوحدانية الله جاحد ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب في أن ذلك غير نافعه مع كفره ، وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد الذي كان يرجوا من عائدة نفعه عليه ، كشبه ريح فيها برد شديد أَصابَتْ هذه الريح التي فيها البرد الشديد حَرْثَ قَوْمٍ يعني زرع قوم ، قد أملوا إدراكه ، ورجوا ريعه وعائدة نفعه ، ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني أصحاب الزرع ، عصوا الله ، وتعدوا حدوده فَأَهْلَكَتْهُ يعني فأهلكت الريح التي فيها الصر زرعهم ذلك ، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ، ورجاء عائدة نفعه عليهم . يقول تعالى ذكره : فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته حين يلقاه يبطل ثوابها ، ويخيب رجاءه منها . وخرج المثل للنفقة ، والمراد بالمثل : صنيع الله بالنفقة ، فبين ذلك قوله : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ فهو كما قد بينا في مثله من قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وما أشبه ذلك . فتأويل الكلام : مثل إبطال الله أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ، كمثل ريح فيها صر . وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلال آخر الكلام عليه ، وهو قوله : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ولمعرفة السامع ذلك معناه . واختلف أهل التأويل في معنى النفقة التي ذكرها في هذه الآية ، فقال بعضهم : هي النفقة المعروفة في الناس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ،